الشيخ محمد الصادقي الطهراني
301
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
يتطلبه حقل الزواج ، ولا يكتفى به في دفع أمواله إليه للحقل الجماعي العام . وبلوغ النكاح - هذا - يصاحبه في الأغلب الرشد العقلي الإيماني ، حيث العقلية الإنسانية تصاحب في رشدها رشد الجسد ، كما العقلية الإيمانية تصاحبهما في جو الإيمان وحِضنه . ولأن الرشد في العقلية الإنسانية والإيمانية قد يتفلت عن بلوغ النكاح لذلك ثني بلوغ النكاح ب « فإن آنستم منهم رشداً » حتى تكمل الشدَّات الثلاث التي هي رشد اليتيم ، الصالح دفع أمواله إليه عنده . ولأن القصد من ابتلاء اليتامى هو حصول الرشد وأهمه رشدهم الروحي في العقلية الإسلامية ، فقد يستمر واجب الابتلاء إلى حد إيناس رشد منهم مهما كان بعد بلوغ النكاح ، وتحديد واجب الابتلاء ببلوغ النكاح ليس إلّا تحديداً أكثرياً لحصول الرشد عنده ، ولذلك استدرك موارد الانفلات ب « فإن آنستم منهم رشداً » . وإذا أونس منهم الرشد المطلوب قبل بلوغ النكاح وقف واجب الابتلاء عند حده ، اللّهم إلا ازدياداً لرشده فمحبور مشكور وليس من واجبه . « فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ » . فالإيناس هو المعرفة على أنس ، دون المعرفة الساذجة غير المعمّقة تخميناً ظنياً ، وإنما هي على ضوء الأنس الحاصل بابتلاءهم . وأصل الإيناس هو الإبصار كما « آنس من جانب الطور ناراً » مهما أخطأ النور إلى النار ، ولكنه وجده بإبصاره ناراً ، ولأن هذا الإيناس مروبط بالابتلاء فلا يكتفى هنا بالإيناس معرفياً دونما ابتلاءٍ عملي بل هو معرفة عملية على ضوء الابتلاء علميَّا ، فلا يعني - إذاً - إبصار رشد معاملي علمياً ، ولا إبصاره عملياً لمرة أو مرات ما لم يصدق الابتلاء - الذي هو أيضاً بدوره عمل تربوي - فإنما هو إبصار رشد على ضوء الابتلاء المتداوم بين فترة التمييز وبلوغ النكاح . فنص الإيناس قاصد إلى خصوص معناه بالابتلاء ، دون علم ومعرفة فقط ، ودون ابتلاء بلا معرفة فقط ، فإنما إيناس متعدّد بمدائبة الابتلاء وخلالَه حتى يطمئن إليه عملياً وتجربياً . فلا يكفي تعليمه كيف يتعامل في أمواله ، ولا استعلامه بعد تعليمه ، ولا إبتلاءه فقط وإن كان بعد التعليم والاستعلام ، بل هو إيناس رشد منه على ضوء هذه الثلاث التي يجمعها